recent
أخبار ساخنة

عيناها ومحكمة الضمير محمد بن الحاج

admin
الصفحة الرئيسية

 

عيناها ومحكمة الضمير محمد بن الحاج


قصة عيناها ومحكمة الضمير محمد بن الحاج


قصة قصيرة

شرع يزيل الضمادات عن عينيها وقد ارتجفت يداه وانتفض قلبه بين أضلعه.لقد انتابه شعور غريب هذه المرة لم يعهده من قبل رغم إجرائه لعشرات العمليات الجراحية الناجحة.ثمة شيء بداخله يؤلمه،يدوس على جراح لم تلتئم رغم مرور السنين.

إن الزمن والهروب وبعد المكان،جميعها لم تنسه جراح الماضي.وها هو القدر يلعب لعبته ويفرض عليه أن يلقاها من جديد.

كان يومها كعادته في المكتب،حين دخلت عليه تقودها الممرضة صحبة شابة يافعة هي استنساخ لها ،صورة مطابقة لآخر صورة بقيت منحوتة على صفحات ذاكرته لآخر لقاء لهما منذ أكثر من عقدين.

لم يدر ما الذي انتابه! لقد شعر وكأن طوفانا يجتاحه، يقتلعه من حاضره ويأخذه عنوة إلى ماض حاول نسيانه ليرسي به أمام محكمة الضمير فتنهال عليه سياط النقمة...

نهض من مكانه وشرع في فحصها.لم ينطق بكلمة وأحس وكأن لسانه قطعة من خشب.

عاد إلى مكتبه،خط بعض الكلمات على ورقة سلمها للممرضة وأمرها بالانصراف صحبة الزائرتين.

تراخى على المقعد الوثير وألقى رأسه في استلام مبحرا في أفكاره.

فماذا تراه فاعلا ياترى!؟

عليه ان يتخذ قرارا.

فهل تراه قادرا على إجراء العملية الجراحية عليها؟

إنه يخشى  ان يؤلمه إعمال المشرط في لحمها.

خاف أن تتراءى له صورتها في آخر لقاء لهما وهي تلتقيه ككل مرة ولهيب الشوق في عينيها تحمل له فيضا من مشاعر الحب والهيام وكل عبارات الأمل لتحقيق النجاح والتألق...ولكنه أطفأ كل لهيب ذلك الشوق حين أعلمها بضرورة إنهاء علاقتهما لأن والدته ترفض استمرارها.

لم يدر كيف أمكن له أن يعلمها بذلك.لم يستوعب الى هذه اللحظة كيف استسلم لإرادة والدته كل الاستسلام.كان عليه ان يقاوم.كان عليه ان يتشبث بها الى النهاية.ولكنه لم يفعل.

مازال صوت والدته  يتردد صداه في أعماق أعماقه.مازالت كلماتها تطرق مسامعه طرقا فتأتي على ما تبقى من نفسه الهشة المحطمة.

قطع شروده صوت الممرضة وهي تسأله إن كان يريد المساعدة،فسوى نظارته على أنفه بلمسة خفيفة من سبابة يمناه وعاد إلى الضمادات يزيلها برفق وبداخله شعور غريب...

لقد بات الآن يرجو ان تكون العملية فاشلة.إنه لا يريد ان تراه،إنه لن يقدر على النظر في عينيها.إنه لن يتحمل سهام نظراتها ...فلاشك أنها أمست تحتقره وهي التي طالما عملت على ان تعيد إليه ثقته بنفسه وترمم حطام شخصيته المدمرة.لقد سعت أن  تجعل منه رجلا بحق ،إنسانا بيده قراره . فكيف له ان يلقاها بعد ان خذلهاوحطم كل آمالها والأحلام وسقاها من كأس الظلم والقهر والهوان...

واقتربت اللحظة الحاسمة،حينها وجد نفسه أمام ضعفه فقرر الانسحاب متعللا بعدم قدرته على المواصلة لشعوره بآلام مفاجئة. 

كلف الممرضة بإتمام العمل ودعاها أن تهاتفه بعد ساعة من الآن.

غادر المكان...امتطى سيارته وانطلق لا يعلم له وجهة ولا غاية...

وعادت الى بيتها وقد استعادت بصرها.أرادت أن تستمتع برؤية الألوان من جديد.أمسكت جهاز التحكم،فتحت التلفاز وقد أشرق وجهها،فظهرت لها صورة وجه مازالت ملامحه عالقة بذاكرتها وإن ذهبت السنون بنضارته وسمعت المذيعة تعلن خبر نعيه...


قصة قصيرة

عيناها ومحكمة الضمير 

محمد بن الحاج / تونس 


google-playkhamsatmostaqltradent