recent
أخبار ساخنة

غبار الملائكة لوركا سبيتي

admin
الصفحة الرئيسية

 




لوركا سبيتي غبار الملائكة

هنا الضاحية هنا بيتي


هنا خلف الزقاق الصغير. وراء السيارات المتراكمة على الرصيف وبجانبه. عند الشجرتين الوحيدتين اللتين تتضاجعان جهراً تحت سماء المدينة. وسط الريح التي توصل دوماً إما الى حرب وإما الى حرب. على الدروب التي تفضي الى حفر تضحك بفمها الملآن وأسنانها المهترئة، الى طريق غير نافذ... هنا بيتي

هنا حيث الناس الصابرون على ما لا جلد لهم عليه. القنوعون بأقل الأشياء، المكرِّرون أخطاء الماضي، التابعون لزعيم القبيلة، الأغنياء بما لا يملكون، الصاخبون في أحسن الأحوال، والمفتقرون الى كل أنواع الحلم.

هنا حيث لا شيء يُلهي عن القلق إلا القلق. لا شمس تسطع الا لتكسّر ما تبقّى من طمأنينة الفجر. لا فقير إلاّ الغنيّ، لا تائه إلاّ المستقر، لا ملحد إلاّ المؤمن، لا ظالم إلاّ المظلوم، ولا ثمل إلا من خبّأ شغفه بالسكر بين دمه ودمه.

هنا لا جماعات بل أفراد من الطين المجبول بالعقائد والطقوس والأنانية والتسليم والكلام. التعب العابق بالموت، المتبرج على شاكلة مهرج.

يموتون في سبيل فكرة لا يملكونها ، بل يتقنّعون بها، معلّقين أطرافهم بصريرها، ليحيوا في الوهم، مخبِّئين رفضهم الأعمى، مخدّرين بأفكار اجداد لم يعرفوا عنهم إلاّ بعض حكايات خرافية. حكايات تدعوهم الى البكاء لتذوّق الملح، ومنية تستقي حقائقها من أوهامها، فتسدل الستائر، وبعد التصفيق لا شيء سوى الانتحار.

كانوا في طفولتهم يحبّون الرسم وسماع الألحان التي تشبه الاستيقاظ المبكر. يستعيرون الخصور النحيلة ليحرّكوها بخفّة ولين. زرعوا عليها اشجاراً وفجّروا ينابيع. هكذا كانوا يتيهون وسط الصقيع ورمال متحركة توصلهم الى ملاعب الحلم والخطيئة. هناك كان يمكنهم أن يكونوا أوغاداً أو أشراراً أو بلهاء، من دون الاضطرار الى الاختباء مما ترتكبه أنفسهم من شيطنة. لا صح ولا خطأ، ولا تأرجح بينهما، ولا بشر يحوّلون الشمس إلهاً والقمر دليلاً الى الليل. لم يكونوا مضطرين الى أن يخفضوا أصوات ضحكاتهم أو يبرروا كذبهم ليتأقلموا مع فكرة وجودهم هنا وليس في مكان آخر، مولودين من هذه الأم وليس من تلك، قابعين تحت هذه الخيم، تابعين لهذه العوالم.

كانوا في طفولتهم مستعدين لحفر السماء واستبدال آبارها بدموعهم، وامتطاء الريح عراةً إلا من حريتهم. وكانوا مستعدين لسبر أعماق الارض وتذويب معادنها بأحرف تطلع عنوةً من ألسنتهم الصغيرة. لكنهم اليوم نسوا شغفهم وضاعوا وسط ما لا يحبّون. كبّلوا أياديهم حتى عن المصافحة. رسموا على وجوههم عيوناً، وفي العيون أحداقا لوّنوها كما تشتهي غاياتهم. نحتوا ملامحهم وبرمجوها للنصر في ساعة الحسم. تضاحكوا وتباكوا، تصايحوا وتصامتوا وتدافعوا بجمالهم الى المياه. هنا فتاة، وعلى الضفة الأخرى صبي، وما بينهما رغبات منوّمة أو ميتة. اللحظة الحاضرة ليست سوى وهم حياة، والعربات الممتلئة قمحاً تستريح تحت لافتة: الجبهة طريقك الى الجنة.

الى الجنّة ساروا: حقول بعيدة مضاءة صامتة وسعيدة، خضراء وارفة مليئة بأكوام من الحب المجفّف. خدر بطعم الغربة وملمس بلا يد لغريب. لا سقف هناك ولا أبواب تواري ما يدور خلفها، لا مقاعد، لا انتظارات، لا فواتير، لا ضمائر، لا سرقات ولا ممتلكات. لا هموم وسط هذا الهدوء الرهيب المطل على مقبرة الجنّة.

في الجنّة أزهار تشلّ الحواس وتجعلهم سجناء نشوتهم، عالقين بين خيوطها العنكبوتية، لا يشعرون بسموّ ولا بحضيض.

"مصيدة للأرواح الطيبة"، تقول الريح. "مرتع للأجساد المكبوتة"، تردد الأشجار. "مأوى لأيتام الحياة"، يتوشوش الأطفال. "هنا الحياة بطيئة ومضجرة لكنها آمنة وليست بمستبدة"، يردّ أهل الطين.

الجنّة لا تملك خفة هذا العالم ولا حقيقته.

هنا مكتوب: "لا مكان للأحياء، موتوا وعودوا الينا". هناك مكتوب: "لا يمكنكم الذهاب الى أبعد من الموت". وجه طالع من شجرة التفاح الشهيرة ينشد عميقاً: "الحوريات العاريات بأجسادهن الطازجة التي لا تشيخ، عقيمات، لا رحم، لا حمل، لا لبن ولا اطفال. فقط أيد حريرية تستقبل قمحهم وتنزله عن ظهورهم، تمسد ظهورهم بزيت شهواتهم الطاهر.

مشوا حتى جفّوا، جلسوا وأكلوا حتى أتخموا فسمنوا. نكسوا وجوههم لاستقبال الوحدة. أدهشتهم أقدامهم العارية. أهلكهم الهذيان المتربص بين النسيان والتذكر، بين الوهم والحقيقة، بين السماء والأرض. غفوا يحلمون بالأشياء القليلة التي كانوا يمقتونها: شراب البرتقال المعلّب، العسل المصنوع من السكّر، النساء المتشبثات بسترهنّ، أرق الاطفال من حمّى الليل، إنجاب البنات، شغف يذلّهم، بليّة تدفعهم الى الضحك، ومحض إحساس تلقائي بالحاجة الى العمل.

استيقظوا على أبواق ازدحام، وعلى شتائم يتبادلها البشر بين طبقة وأخرى، بين سيارة وأخرى، بين رصيف وبحر، بين أب وابنه. واستيقظوا على رائحة كريهة يتزايد دخانها مع كل شهيق وزفير. كان الوقت يتسابق كغيم، والمباني تعلو وتكبر وتتصلب حتى أخفت وراءها كل شعاع لشمس. حينذاك تصنّموا في الحشود وأتقنوا لعبة الآلهة. طأطأوا رؤوسهم، مرّنوا دمهم على رفض الآخر المختلف.



هنا خلف الزقاق الصغير، خلف السيارات المتراكمة على الرصيف وبجانبه، يقع وطن صغير، يماهي بتفاصيله وأوجاعه وحروبه وزعمائه الوطن الكبير الذي ليس بأمّ ولا بأب، بل ممر، وقوده ناسه، هواؤه رمادهم، حصاه عظامهم، وماؤه دمهم السائل من ثقوب رصاصات لا تزال تخترق أجسادهم عند كل هبة هواء.


google-playkhamsatmostaqltradent